الجاحظ
370
الحيوان
وكان بين عقل زبيد بن حميد إذا شرب عشرة أرطال ، وبين عقله إذا ابتدأ الشرب ، مقدار صالح . 434 - [ سكر العمّي ] وإمّا العمّيّ فإنّ بني عبد الملك الزياديّين دعوني مرّة ليعجّبوني منه ، ولم ينبّهوني على هذه الخاصّة التي فيه ، لأكون أنا الذي أنتبه عليه ، فدخلت على رجل ضخم فدم « 1 » غليظ اللسان ، غليظ المعاني ، عليه من الكلام أشل المئونة ، وفي معانيه اختلاف ، ليس منها شيء يواتي صاحبه ولا يعاونه ولا يشاركه ولا يناسبه ، وحتّى ترى أنّ أذنه في شقّ ولسانه في شقّ ، وحتّى تظنّ أنّ كلامه كلام محموم أو مجنون ، وأنّ كلّ واحد منهما يقطع نظام المعاني ، ويخلط بين الأسافل والأعالي . فشرب القوم شرب الهيم « 2 » ، وكانت لهم أجساد مدبرة ، وأجواف منكرة ، وكنت كأنّي رجل من النّظّارة . فما زال العمّيّ يشرب رطلا ، ويرقّ لسانه ، وينحلّ عقده « 3 » ، ويصفو ذهنه ، ويذهب كدره . ولو قلت إنّي لم أر مثله حسن نفس كنت صادقا . فالتفت إليّ القوم أجمعهم فقالوا : لولا هذا العجب ما عجّبناك اليوم مع حداثة عهدنا بك . وزعم العمّيّ وكان كثير المنازعة عند القضاة ، أنّه كان إذا قارب العشرة الأرطال ثمّ نازع الخصوم ، كان ذلك اليوم الذي يفوت فيه ذرع الخصوم « 4 » للحن بحجّته « 5 » ، ويستميل فيه رأي القاضي المنعقد في مجلسه الطويل ، القطوب في وجه من نازع إليه . وقال الشاعر : [ من الطويل ] وجدت أقلّ النّاس عقلا إذا انتشى * أقلّهم عقلا إذا كان صاحيا « 6 » تزيد حسى الكاس السّفيه سفاهة * وتترك أخلاق الرّجال كما هيا « 7 » قال : وهذا شعر بعض المولّدين ، والأعاريب لا تخطئ هذا الخطأ ؛ قد رأينا أسفه الناس صاحيا أحلم الناس سكران ؛ وهو مرداس صاحب زهير ، ورأينا أحسن
--> ( 1 ) الفدم : الأحمق . ( 2 ) الهيم : الإبل العطاش . ( 3 ) عقدة : بمعنى قوته . ( 4 ) فات ذرعهم : غلبهم . ( 5 ) اللحن : أن يفطن المرء لحجته . ( 6 ) البيتان لأبي نواس في ديوانه 213 ، وبلا نسبة في ديوان المعاني 1 / 324 . ( 7 ) رواية صدر البيت في الديوان ( تزيد سفيه القوم فضل سفاهة ) . الحسى : جمع حسوة ، وهي المرة من الحسو .